السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

16

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الإيمان هو الذي يصعد بالعبد إلى مقام القرب ، وليس للعمل الصالح إلّا إعانة الإيمان وإسعاده في عمله كما قال تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ( المجادلة / 11 ) حيث ذكر للرفع الإيمان والعلم وسكت عن العمل الصالح ، وأوضحه منه في الدلالة قوله تعالى : « إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ » ( فاطر / 10 ) . هذا في الهداية التي هي شأن الإيمان ، وأما نعم الجنة فإن للعمل الصالح دخلا فيها كما أن للعمل الطالح دخلا في أنواع العذاب وقد ذكر تعالى في المؤمنين قوله : « تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ » كما ذكر في الكافرين قوله : « أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » . وليتنبه الباحث المتدبّر أنه تعالى ذكر لهؤلاء المهتدين بإيمانهم من مسكن القرب جنات النعيم ، ومن نعيمها الأنهار التي تجري من تحتهم فيها ، وقد تقدّم في تفسير قوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( الحمد / 7 ) وقوله : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية ( النساء / 69 ) أن النعيم بحقيقة معناه في القرآن الكريم هو الولاية الإلهية ، وقد خص اللّه أولياءه المقرّبين بنوع من شراب الجنة اعتنى به في حقهم كما قال : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( الإنسان / 6 ) ، وقال أيضا إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ - إلى أن قال - يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ - إلى أن قال - عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( المطفّفين / 28 ) ، وعليك بالتدبّر في الآيات وتطبيق بعضها على بعض حتى ينجلي لك بعض ما أودعه اللّه سبحانه في كلامه من الأسرار اللطيفة . قوله تعالى : دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أول ما يكرم به اللّه سبحانه أولياءه - وهم الذين ليس في قلوبهم إلّا اللّه ولا مدبّر لأمرهم غيره - أنه يطهّر قلوبهم عن محبة غيره فلا يحبون إلّا اللّه فلا يتعلقون بشيء إلّا اللّه وفي اللّه سبحانه فهم ينزهونه عن كل شريك يجذب قلوبهم إلى نفسه عن ذكر اللّه سبحانه ، وعن أي شاغل يشغلهم عن ربهم .